الغزالي

49

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

[ الباب الأول ] في ذكر العدل والسياسة وذكر الملوك وسيرهم اعلم وتيقّن أن اللّه سبحانه وتعالى اختار من بني آدم طائفتين وهم : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ليبيّنوا للعباد على عبادته الدليل ، ويوضحوا لهم إلى معرفته السبيل . واختار الملوك لحفظ العباد من اعتداء بعضهم على بعض ، وملكهم أزمة الإبرام والنقض ؛ فربط بهم مصالح خلقه في معايشهم بحكمته ، وأحلّهم أشرف محل بقدرته ؛ كما يسمع في الأخبار : السلطان ظل اللّه في أرضه . فينبغي أن يعلم أن من أعطاه اللّه درجة الملوك ، وجعله ظله في الأرض ، فإنه يجب على الخلق محبته ، ويلزمهم متابعته وطاعته ، ولا يجوز لهم معصيته ومنازعته ؛ قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] . فينبغي لكلّ من آتاه اللّه الدين أن يحب الملوك والسلاطين ، وأن يطيعهم فيما يأمرون ، ويعلم أن اللّه تعالى يعطي السلطنة والمملكة ، وأنه يؤتي ملكه من يشاء كما قال في محكم تنزيله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ آل عمران : 26 ] . والسلطان العادل من عدل بين العباد ، وحذّر من الجور والفساد . والسلطان الظالم شؤم لا يبقى ملكه ولا يدوم ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم » . وفي التواريخ أن المجوس ملكوا أمر العالم أربعة آلاف سنة وكانت المملكة فيهم ؛ وإنّما دامت المملكة بعدلهم في الرعية ، وحفظهم الأمور بالسوية ، وأنهم ما كانوا يرون الظلم والجور في دينهم وملّتهم جائز ، وعمروا بعدلهم البلاد ، وأنصفوا العباد . وقد جاء في الخبر أن اللّه جلّ ذكره أوحى إلى داود عليه السلام : أن انه قومك عن سبّ ملوك العجم فإنهم عمروا الدّنيا وأوطنوها عبادي . فينبغي أن تعلم أن عمارة الدّنيا وخرابها من الملوك ؛ فإذا كان السلطان عادلا عمرت الدّنيا وأمنت الرعايا كما كانت عليه في عهد أردشير وأفريدون وبهرام كور